أحمد بوعروة: من وهج الصحافة إلى شعلة التعليم والتعلُّم

بقلم عبدالرحيم بخاش

أحمد بوعروة: من وهج الصحافة إلى شعلة التعليم والتعلُّم
في زمنٍ باتت فيه النماذج الملهمة نادرة، يسطع نجم الأستاذ أحمد بوعروة كأنموذج استثنائي يترنّح بين عوالم الصحافة والفن والإخراج والتعليم، دون أن يفقد بريقه أو يتنازل عن جوهره. رجل بألف وجه، لكنه وجه واحد في الحقيقة: وجه المثقف الذي اختار أن يكون جسراً بين المعارف، وحارسًا للقيم، ومعلّمًا للإنسان قبل أن يكون مربيًا للتلميذ.
من الصحافة بدأ المشوار، وهناك أبان عن قلم فصيح لا يساوم، وصوتٍ حر لا يهادن، يحمل همَّ الوطن، ويصدح بالحقيقة. ثم عرّج إلى عالم الفن، فصار للإبداع معنى آخر في حضرته، حيث جمع بين الدراما والرسالة، وبين الصورة والروح. لم يكن الفن عنده ترفاً، بل كان نافذة للوعي، ومساحة للتعبير عن المكنون الإنساني في أبعاده كافة.
وفي الإخراج التلفزيوني، أظهر بوعروة رؤية فنية رفيعة، تتداخل فيها الجمالية التقنية مع عمق المضمون. لم يكن إخراجه مجرد توجيه عدسة، بل كان دعوةً للتفكر، وقراءةً فلسفية للصورة والحدث.
ثم كانت المرحلة الأسمى: التعليم، أو بالأحرى التعلُّم، لأن بوعروة لم يرضَ أن يكون تابعًا لبرامج جامدة تفرضها الوزارة وتُختزل في مناهج محفوظة. لقد آمن أن التعلُّم حياة، وأن المدرسة ليست سجناً للطفولة، بل مختبرًا لبناء الإنسان.
ومن هنا، أطلق مشروعه التربوي الفريد في مؤسسة طه الأمين، حيث جمع بين الثقافة والفن، بين المسرح واللغات، بين السينما والفكر، بين الأمازيغية والعربية والفرنسية والإنجليزية، ليصنع من الفصل الدراسي مسرحًا للإبداع، ومن التلميذ بطلًا حقيقيًا على خشبة الحياة.
وخير دليل على رؤيته الثاقبة، ذلك العرض الراقي الذي شهدته خشبة مسرح بنسليمان، حيث اجتمع كوكبة من خيرة الفنانين والإعلاميين والسياسيين والمفكرين، في تكريم غير معلن لهذا الرجل الفريد، الذي فرض احترامه على الجميع دون أن يطلبه، ونال محبة الناس دون أن يسعى إليها.
إن حضور هذا الكم الهائل من النخبة، وتهافتهم على هذا الموعد الفني التربوي، لا يدل فقط على نجاح النموذج الذي يحمله بوعروة، بل على العطش الجماعي لنموذج من هذا الطراز، نموذج يجمع بين الذكاء العاطفي والفكري، وبين القيم الجمالية والرسالة الإنسانية.
ولعل أكثر الفئات حظًا بهذا المشروع النبيل، هم تلاميذ مؤسسة طه الأمين، الذين لا يتلقون دروسًا فقط، بل يعيشون تجربة تعليمية متكاملة، تصقل شخصيتهم وتوقظ فيهم روح التساؤل، وتجعل من كل واحدٍ منهم مشروع إنسانٍ حرّ، واعٍ، مبدع.
في زمن الاختزال والتفاهة، ينهض أحمد بوعروة ليذكّرنا أن التعليم ليس مجرد وظيفة، بل رسالةٌ تتطلب الموهبة، والإيمان، والصدق، والبذل. رجل بحجم الحلم، وسيرة تكتب بالحبر النقي، وتُقرأ على الأجيال القادمة بوصفها نموذجًا يُحتذى.
تحية لهذا المعلم، المبدع، الإنسان.