جيل طوطو… حين تنتصر « التفاهة والخشونة » على الفصاحة

بقلم عبدالرحيم بخاش
في لحظة تأملٍ مع الذات، جلستُ أطرح السؤال الصعب: هل ما نفكر فيه نحن، ممن تربّينا على البلاغة والمعاني، واللغة المشرّفة، لا يزال يجد له موطئ قدم في زمنٍ بات يُعرف بزمن « طوطو »؟ هل ما نكتبه، ونحلّق به في سماء الفكر والخيال، يُلائم هذا الجيل الجديد الذي يُدير ظهره لكل ما يمتّ إلى الفصاحة بصلة، ويهرول صوب « الدارجة » الفجّة، والمصطلحات السوقية، والشتائم المغلفة في إيقاعات موسيقية؟
افترضتُ مشهداً أقرب إلى المسرح، خشبتان متقابلتان؛ إحداهما يعتليها فنّانون كبار مثل العيوان ولمشاهب والسهام، من روّاد الكلمة، وأصحاب الأصوات العميقة، والمواهب الصادقة، وكتّاب حملوا الهمّ الإنساني بين أضلاعهم؛ أما الخشبة الأخرى فاعتلاها طوطو، وحوله جمهور يصفّق، ويصيح، ويهتف…
طرحت السؤال بيني وبين نفسي: من منهما سيجذب الجمهور؟ من سيفوز بقلوب المتابعين؟
وللأسف، الجواب جاء قاسياً، لكن صادقاً… طوطو هو الغالب.
ليس لأن طوطو يقدّم فناً راقياً، أو لأنه يحمل رسالة، بل لأنه يتحدث بلغةٍ يفهمها الجيل الجديد، جيل يرى في الفوضى حرية، وفي الشتيمة تعبيراً صادقاً، وفي القبح فناً يستحق التصفيق. جيل يرفض التكلّف، ويعانق الابتذال دون حياء، جيل لا يريد كلمات منقّحة ولا بلاغة موزونة، بل « سبّان ومعيار، وفاص ونيشان »، كما يقال، بلا مجاز ولا استعارة، ولا حاجة له بلسان العرب إن كان لا يشبع لهواً ولا يجلب له شهرة.
جيل طوطو هو جيل اللحظة، جيل الصورة قبل المعنى، والصرخة قبل الفكرة، واللايقين بدل الحكمة. جيل نشأ بين أصابع الهاتف، لا بين دفتي الكتاب، وتربّى في منصات التفاهة، لا على مسارح الفكر والوجدان.
إنه جيل يقول للغة العربية: « كفي عن فخرك »، وللبلاغة: « استري وجهك »، وللقيم: « تنحّي جانباً، نحن أبناء زمن آخر ».
لكن، رغم كل ذلك، تبقى الحقيقة أقوى من الواقع المؤلم… الكلمة الصادقة لا تموت، وإن حجبتها الغيوم. والفن النظيف لا يُهزم، وإن غلبه الضجيج مؤقتاً. والأجيال وإن تاهت، ستعود يوماً تبحث عن المعنى وسط هذا الركام.
فإلى أن يحين ذلك اليوم، نقول لجيل طوطو:
افعلوا ما شئتم، لكن اعلموا أن ما يُبنى على « السبان والمعيار » لا يُخلِّف مجداً، ولا يُدوِّن حضارة.
وإلى الذين ما زالوا يُراهنون على المعنى: اثبتوا… فالزبد يذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.
والفاهم يفهم… وبلا زواق.