بقلم عبدالرحيم بخاش

منذ أن وطئت أقدام الاستعمار الفرنسي أرض الجزائر، لم تكن البلاد يومًا حرّة بالمعنى الكامل للسيادة، بل كانت تنتقل من يد مستعمرٍ ظاهر إلى وصاية باطنة تُدار من خلف الستار. ولمّا اندحر المحتل عسكريًا، خلّف وراءه نظامًا مشوّهًا تحكمه وجوه تبدو جزائرية اللسان، فرنسية الهوى والانتماء، تعيد إنتاج التبعية في أثواب وطنية زائفة.
فمن يحكم الجزائر حقًا؟ أهو الشعب الذي نُكّل بصوته، وأُحبطت انتفاضاته كلّما نادت بالكرامة والديمقراطية؟ أم هي عصبة من الجنرالات الذين احترفوا تسويق البطولات الوهمية، وتزييف الوقائع التاريخية، ليُثبّتوا أقدامهم على عرشٍ من دم وخراب؟
الواقع أن الجزائر لم تُفكّ أبدًا عن نير الوصاية الفرنسية، وأن الجنرالات المتعاقبين على السلطة، لم يكونوا إلا بيادق ضمن رقعة شطرنج تُدار من « ماما فرنسا ». لكن شيئًا ما انكسر في الأشهر القليلة الماضية، حين حاول الثنائي شنقريحة–تبّون الخروج عن النص، والتمرّد على سيدهم الفرنسي، مُتوهمين أن بإمكانهم لعب دور « البطل المتمرّد » في مسرح لا يقبل إلا المأجورين.
لقد كانت بداية النهاية، حين اختاروا الصدام مع باريس في لحظة فارقة، فكانت الصفعة مدوّية. فرنسا التي تعرف كل شيفراتهم البنكية، ومخابئ ثرواتهم، وفضائحهم السرية، لم تحتج إلى كثير من الجهد، فقد اكتفت بخطوة سياسية واحدة: الاعتراف بمغربية الصحراء، وتأكيد أن مشروع الحكم الذاتي هو السبيل الوحيد والعقلاني لحل النزاع. ضربة جعلت الجنرالات يتلعثمون، ويعيدون حساباتهم.
أما القاصمة، فكانت التلميح الفرنسي بتجميد الحسابات البنكية لأولئك الذين يحاولون التلاعب بـ »العلاقة المقدسة » مع الجمهورية الأم. وهنا فقط أدرك « الجنرال المتمرّد » أنه مجرّد تابع، وأن محاولة خيانة الكفّ الذي يطعمك، لا تنتهي إلا بالخنق.
الرئيس الفعلي للجزائر ليس ساكن قصر المرادية، بل هو ناطق باسم الجنرالات، والجنرالات أنفسهم ليسوا إلا حراس المصالح الفرنسية، يلهون بالراية الوطنية نهارًا، ويوقّعون على الولاء لباريس ليلًا.
الشعب الجزائري، الذي لطالما أبهرنا بثوراته، ووعيه السياسي، لا يستحق أن يُحكم بجنرالات كهولٍ عالقين في سرديات حرب التحرير، ولا برئيس بلا لون ولا موقف، يُعرف بـ »عميمي تبون » في الشارع قبل أن يُعرف في المحافل الدولية.
إن الجزائر لن تُشفى من عللها إلا بإسقاط حكم الجنرالات، وبتحرير القرار من وصاية الخارج، وبتنصيب سلطة مدنية حقيقية تعبّر عن تطلعات الشعب لا عن هواجس العسكر. فإما أن تنهض الجزائر بوطنية خالصة، أو تبقى رهينة جنرالات يرفعون شعار التحرير نهارًا، ويُلقون التحية لباريس تحت الطاولة ليلًا.
