بقلم عبدالرحيم بخاش

ذئاب المصالح… حين يصبح الوفاء مزحة
ما أقبح الإنسان حين يتحول إلى كائن نَهِم لا يرى فيك إلا منفعة، ولا يسمع منك إلا صوت العطاء، فإذا انتهى رصيدك، أغلق الباب وتركك في العراء.
إنهم ذئاب المصالح، لا صدق لهم، ولا وفاء، ولا مروءة. يتكاثرون حولك حين تملك، يتهافتون عليك كما يتهافت الذباب على العسل، يمدحونك، يعظمونك، يرفعونك إلى عروش من ذهب، لكن ما أن تجفّ البزولة حتى ينسحبوا بصمتٍ بارد، وكأنك ما كنت شيئًا مذكورًا.
يرضعون من حضورك، يتغذّون على كرمك، ويتلصّقون بك كما تتلصّق الطفيليات بالجسد الحي. لكن حين تُصاب بالوهن، تنكشف حقيقتهم: لا أحد فيهم يحبك، لا أحد منهم يراك إنسانًا، أنت مجرد حنفية تدرّ… فإن توقفت، أداروا ظهورهم.
قال المتنبي:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكتهُ … وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا
وها نحن نُكرم اللئيم كل يوم، فيتمرد علينا بألف خنجر في الظهر، وبابتسامة صفراء أمامنا.
هؤلاء لا يعرفونك إذا لم يكن في يدك شيء، لا يتصلون بك إلا إذا احتاجوا، لا يبتسمون في وجهك إلا إذا كانوا يستعدّون لابتلاعك. يقتربون من قلبك لا حبًا، بل طلبًا، فإذا أعطيتهم، أصبحوا إخوتك، وإذا أمسكت، أصبحتَ أنانيًّا، جاحدًا، متكبّرًا.
أي وقاحة هذه؟ وأي زمن نحن فيه؟
لقد أصبح بعض البشر أرخص من المنافع التي يركضون خلفها، باعوا ضمائرهم مقابل مكاسب وقتية، وحنوا رؤوسهم في كل اتجاه ما دام المال يُرمى، والنفوذ يُمنح، والفرص تُقطر.
أما الصداقة، فصارت سلعة،
والوفاء، أصبح طرفة،
والعِشرة الطيبة، ذكرى تُروى لا واقع يُعاش.
المرعب في الأمر، أنك إن كشفت نفاقهم، اتهموك أنك تغيّرت! وإن قاطعتهم، نعتوك بالمتكبّر! وإن طالبت بالوفاء، قالوا: « نحن في زمن المصالح يا طيب! » وكأن الخيانة أصبحت قانونًا، والجحود قاعدة.
فإليك أيها النقي، لا تُغرّك الأسماء، ولا تُخدع بالابتسامات، ولا تثق بمن يتقن المديح أكثر من الصمت. من يقترب منك حين تكون قويًا، ثم يختفي حين تضعف، لا يستحق حتى اللوم… لأنه ببساطة: ليس إنسانًا، بل استثمارًا مؤقتًا.
وإلى أصحاب المصالح نقول:
جشعكم مفضوح، ونواياكم مكشوفة، وأفعالكم أوضح من الشمس. فلا أنتم أهل وفاء، ولا أنتم شركاء كرام… أنتم مجرد عابرين في حياة الآخرين، عابرين بثمن بخس، مرّوا كما يمرّ الغبار… وانتهوا دون أثر.
