صحافة السلطة المحلية… حين يتحول الميكروفون إلى عصا تلميع

صحافة السلطة المحلية… حين يتحول الميكروفون إلى عصا تلميع
نعد نُفاجأ في هذا الزمن الرديء، حين نرى الصحافة تُباع في السوق السوداء للذل، بثمن بخس… وبتطبيل أرخص. لم نعد نندهش من منظر صحفيٍّ يحوم حول رجل سلطة كما تحوم الذبابة حول المائدة، لا ليُراقب، بل ليُسبّح، وليمجّد، وليعزف على مقام الخنوع.
ظهرت علينا ظاهرة هجينة، تُدعى « صحافة السلطة المحلية »… وهي ليست صحافة بالمعنى الشريف للكلمة، بل هي مجرد نسخ رخيصة من أبواق لا تعرف من القلم إلا شكله، ولا من الكاميرا إلا بريقها.
يكفي أن يملك أحدهم ميكروفونًا، ربما اشتراه بثمن وجبة سريعة، حتى ينصّب نفسه « صحفيًّا »، وتجده يتقدم صفوف رجال الدرك أو القائد أو القوات المساعدة في دورية، لا ليسجّل، ولا لينقل الحقيقة، بل ليقذف الورود، ويؤلّف المديح، ويرفع التقارير المُمجّدة، وكاننا في زمن التزييف لا زمن المواطن والعدسة الحرة.
أي صحافة هذه التي تنقل كل خطوة لقائد جماعة أو باشا وكأنها فتح مبين؟
أي مهنية في أن تصبح الصحف الخاصة مجرد مذكرات تمجيد؟
هل هذا هو دور الصحافة؟ أن تكتب: « اليوم القائد أوقف البناء العشوائي… عظيم! القائد ابتسم لطفل في الشارع… رائع! »
أم أن الصحافة وُجدت لتسائل القائد: لماذا سكتَ بالأمس؟ لماذا تغاضى قبل أن يظهر؟ لماذا لا تشتغل المصالح إلا حين تصوّرها الكاميرا؟
هنا مكمن الجرح… وهنا عار المرحلة.
تحوّلت الصحافة من رقيب إلى مُطبّل، من صوت شعب إلى خادم سلطة، من سلطة رابعة إلى ظلّ باهت للسلطة الأولى.
وأصبح بعض الصحفيين لا يهمهم إلا أن يُدعَوا إلى « مائدة الإفطار » التي تنظمها الجماعة، أو أن يحصلوا على صورة بجانب مسؤول يُقال عنه « صارم »، في حين لا يجرؤ أحدهم على طرح سؤال واحد جريء في وجهه.
الصحفي الحقيقي لا يقف في صف القائد ولا ضده،
بل يقف في صف الحقيقة، ولو كانت موجعة.
لكن صحافة الميكروفون اليوم، تختار الاصطفاف حيث الضوء، حيث « الكوابيس » المجانية، حيث صور الواجهة، حيث الإعجاب السطحي.
يُهللون للهدم وكأنهم لا يعرفون أن ما هُدم اليوم، بُنِي بالأمس تحت صمت نفس السلطة التي يمجّدونها اليوم.
ويتابعون تحركات رجال الأمن وكأنهم في بث مباشر لمسابقة ترفيهية، لا مهمة أمنية تُنفَّذ باسم القانون.
فأين الصحافة الجادة؟ أين مساءلة الجماعات؟ أين التحقيقات في الصفقات المشبوهة؟
أين الكلمة التي كانت تُرعب الفاسدين، لا تُطربهم؟
لقد أصبحنا في زمنٍ تجرّ فيه الصحافة ثوب المهانة، وتمدّ يدها إلى موائد السُّلطة، لا لتأخذ معلومة، بل لتأخذ فتات كرامة.
وهنا، نرفع الصوت عاليًا: إذا ماتت الصحافة، مات معها ضمير المجتمع.
وإذا صار الصحفي أداة تمجيد، فليكتب على ميكروفونه: « صُنع للتصفيق فقط. »