
يعيش المشهد السياسي المغربي حالة من الصراع المحتدم بين الأحزاب، صراع يطغى عليه البحث عن المصالح الضيقة وتصفية الحسابات السياسية، تاركًا خلفه مطالب الشعب الأساسية في الصحة والتعليم والشغل والعدالة الاجتماعية. لقد تحولت الأحزاب، التي يفترض أن تكون قاطرة للتنمية ووسيلة لتحقيق تطلعات المواطنين، إلى مجرد منصات للخطاب الشعبوي والمناورات السياسية التي لا تخدم سوى أجنداتها الخاصة.
هذا الفشل الذريع في أداء الحكومات المتعاقبة يثير تساؤلات جدية حول جدوى المنظومة الحزبية في شكلها الحالي. فبدلاً من تقديم برامج انتخابية واضحة وقابلة للتطبيق تستجيب لانتظارات الشارع المغربي، نرى أحزابًا لا تتردد في استخدام أساليب الترهيب والابتزاز السياسي لضمان بقائها في السلطة.

خير مثال على ذلك، هو التصريحات التي يطلقها بعض القادة السياسيين، والتي تصل إلى حد التهديد الصريح بتوقف المشاريع التنموية إذا لم يصوت المواطنون لصالح حزبهم. هذا النوع من الخطاب لا يعكس فقط غياب الرؤية السياسية، بل يكشف أيضًا عن استغلال مقيت لسلطة القرار من أجل تحقيق مكاسب انتخابية، وهو ما يضع مصلحة الوطن والمواطن في المرتبة الثانية.
وفي سياق آخر، يلجأ البعض إلى الرموز التاريخية واستغلالها في معاركهم السياسية، كما حدث عندما تم توظيف صورة الزعيم عبد الكريم الخطابي في سياق يثير الجدل، ويفتح الباب أمام قراءات متضاربة قد تصل إلى حد التهديد بإعادة إحياء حراك الريف. هذه الممارسات لا تزيد المشهد السياسي إلا تأزمًا واستقطابًا، وتفقد الأحزاب المصداقية والثقة لدى المواطن.
إن هذا الفشل المستمر للحكومات المتعاقبة ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة مباشرة لعدة عوامل متشابكة:
غياب البرامج الواقعية: لا تمتلك الأحزاب برامج حقيقية تعالج مشاكل الصحة والتعليم والتشغيل بشكل فعال، بل تكتفي بشعارات فضفاضة تُنسى بمجرد وصولها إلى السلطة.
تغليب المصالح الشخصية والحزبية: أصبح الهدف الرئيسي للعديد من السياسيين هو الحصول على المناصب والمكاسب المادية، وليس خدمة المصلحة العامة.
استفحال ظاهرة الفساد: لا تزال ملفات الفساد في الإدارات والمؤسسات العمومية تُؤثر بشكل كبير على فعالية الحكومة وقدرتها على تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.
ضعف المحاسبة والمساءلة: لا يتم تفعيل آليات المحاسبة والمساءلة بشكل صارم، مما يشجع على استمرار الأداء السيء وغياب الشفافية.
إن المواطن المغربي لم يعد يثق بالوعود البراقة التي تطلقها الأحزاب في كل استحقاق انتخابي. فالشعب يطالب اليوم بحلول عملية لمشاكله اليومية، لا بمزيد من الصراعات الكلامية والمناورات السياسية. فهل ستستفيق الأحزاب من سباتها وتدرك أن مصيرها مرتبط بمدى استجابتها لتطلعات الشعب، أم ستبقى حبيسة أجنداتها الضيقة.
