
في خضم المعارك الدامية، لا تتوقف الآلام عند حدود الجسد المثخن بالجراح، بل تتغلغل إلى أعماق النفس، لتصنع صراعًا أشد فتكًا وأقسى وطأة. وبينما يُظهر جنود الاحتلال صورة القوة والعنجهية أمام الكاميرات، تتكشف حكاياتهم من الداخل لتؤكد حقيقة مرّة، يصدح بها صوت الحق الإلهي قبل أي صوت آخر: إنهم يألمون كما تألمون.
حادثتان وقعتا في الأيام الأخيرة ليستا مجرد أخبار عابرة، بل هما انعكاس لما يدور في عقل وقلب المحتل. في الأولى، أطلق جندي النار على أخيه وأخته، في مشهد سريالي لا يمكن تفسيره إلا بالهوس والهلع الذي يطارده. لم يكن يرى فيهما أحبابه، بل كان يرى شبح المقاومة، هذا الشبح الذي أصبح يلاحقه حتى في أحلامه ويقظته. إنها حالة انهيار نفسي كاملة، تجعل القوة المزعومة مجرد قشرة هشة تخفي تحتها خوفًا ورعبًا من عدو لا يراه، ولكنه يدرك وجوده في كل زاوية، وفي كل لحظة.
وفي الحادثة الثانية، يقرر جندي احتياط أن ينهي حياته بيده، مفضلاً الموت على العودة إلى ساحة المعركة. هذا القرار ليس مجرد يأس شخصي، بل هو رفض مطلق للحرب والقسوة التي تفرضها. إنه يدرك، ولو متأخرًا، عبثية القتال ووحشية المهمة الموكلة إليه، وأن الثمن الذي يدفعه لا يقتصر على حياته فحسب، بل على روحه وسلامه الداخلي. هذا الانتحار الصامت هو صرخة مدوية في وجه القيادة التي تدفع بجنودها إلى محرقة لا يؤمنون بها.
هاتان الحادثتان، وإن اختلفتا في التفاصيل، إلا أنهما تشيران إلى نفس النتيجة التي وصفها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
هذه الآية ليست مجرد مواساة للمؤمنين، بل هي حقيقة كونية تخبرنا أن الألم ليس حكرًا على من يدافع عن أرضه. فبينما يتألم المقاوم لأجل قضية يؤمن بها، ويستمد قوته من إيمانه ورجائه في نصر الله، يتألم المحتل لأجل قضية يدرك زيفها، ويطارده شبح الخوف والخسارة. إن الألم الذي يعيشه المقاوم هو ألم مؤقت ينتهي بنصر أو شهادة، أما ألم المحتل فهو ألم مزمن ينهش روحه ويقضي على إنسانيته.
إن ما نراه اليوم هو بداية انهيار معنوي لم يسبق له مثيل في تاريخ هذا الاحتلال. إنه صراع بين إيمان راسخ بالحق، وهشاشة مبنية على الباطل. ولأن الله عليم حكيم، فهو يعلم أن قوة الإيمان لا يمكن أن تُهزم، وأن من يرجو من الله ما لا يرجوه خصمه، هو حتمًا المنتصر.
