
تشهد الساحة السياسية في الآونة الأخيرة حالة من الارتباك والاهتزاز البنيوي العميق، انعكس بشكل مباشر على مصداقية الفاعلين الحزبيين ودورهم في التأطير والتنشئة السياسية. فالأحزاب التي كانت فيما مضى تُعتبر مدارس لتخريج النخب وإنتاج الأفكار والمشاريع، تحولت اليوم في كثير من الحالات إلى كيانات بيروقراطية تسعى وراء المواقع والمكاسب أكثر من سعيها إلى خدمة المجتمع وقضاياه.
الأزمة تعمقت أكثر مع العجز الحكومي عن مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع المغربي، خاصة مع بروز جيل جديد « جيل Z » الذي عبر بقوة من خلال احتجاجاته عن رفضه للبطء في الإصلاح ولامبالاة النخب السياسية. هذا الجيل لا يتحدث بلغة الإيديولوجيات القديمة، وإنما بلغته الخاصة: لغة الكرامة، الفرص، والعدالة الاجتماعية. يرى تناقضًا صارخًا بين الشعارات الرسمية والواقع المعيشي، ويعتبر أن البلاد تسير بسرعتين مختلفتين:
سرعة ملكية إصلاحية يقودها جلالة الملك محمد السادس بخطى واضحة،
و أخرى سياسية بطيئة يعرقلها من ما زالوا يستفيدون من الريع ويقاومون التغيير.
ففي خطاب العرش الأخير، شدد جلالة الملك على أن « المغرب بسرعتين » أصبح أمرًا غير مقبول، داعيًا إلى تحقيق تنمية متوازنة بعدالة اجتماعية تضمن الكرامة للمواطنين. ورغم وضوح الرسالة، ما تزال الطبقة السياسية بمختلف أطيافها في حالة ارتباك، ولم تستوعب بعد أن المرحلة الجديدة تتطلب نفسًا إصلاحيًا جريئًا يقطع مع الأساليب القديمة.
الاحتجاجات الأخيرة لم تكن تهديدًا للدولة، بقدر ما كانت رسالة حضارية قوية موجهة إلى الفاعلين السياسيين بالأساس. إنها دعوة لإعادة بناء الحقل السياسي على أسس الشفافية، المحاسبة، وربط الدعم العمومي بوجود برامج ومشاريع واقعية ذات أثر ملموس.
اليوم، لم يعد مقبولًا استمرار العبث أو بقاء المؤسسات المنتخبة مجرد واجهات شكلية. فالمجتمع المغربي، وخاصة فئاته الشابة، يترقب إصلاحًا جذريًا يقوده الملك نحو مغرب واحد يسير بسرعة موحدة، مغرب أكثر عدالة وجرأة، دولة قوية عادلة تصغي لشعبها وتستجيب لنداء التغيير.
