حين يتحول التطوع إلى تجارة: تحقيق في استغلال القوافل الطبية لنظام AMO

تراهن فيه الدولة على تعميم نظام التغطية الصحية الشاملة (AMO) كأحد أبرز أعمدة الإصلاح الاجتماعي، ولكن تتزايد في الميدان شكاوى المواطنين والمهنيين من ممارسات “غير أخلاقية” ترافق عمل بعض القوافل والجمعيات الطبية التي تستغل هذا النظام لتحقيق أرباح طائلة باسم العمل الخيري.
ورغم أن الهدف المعلن من هذه القوافل هو تقديم خدمات صحية مجانية في القرى والمناطق النائية، إلا أن الواقع الميداني يكشف عن تحوّل بعضها إلى مشاريع تجارية مقنّعة، تنخر جسد منظومة التضامن الوطني.هناك مجهودات تبدل لتنظيم
عشرات القوافل الطبية سنويًا بدعم من جمعيات محلية وجهوية، و التي تلقى ترحيبًا واسعًا من المواطنين، خاصة في المناطق المعزولة التي تفتقر للبنيات الصحية.
لكن، وفق معطيات ميدانية وشهادات لمهنيين في القطاع الصحي، يشترط بعض المنظمين على المستفيدين التوفر على بطاقة AMO أو CNSS قبل الخضوع للعلاج أو العمليات الجراحية.
ويُستغل هذا الشرط لتسجيل العمليات باسم المستفيدين المؤمنين، لتُقدَّم لاحقًا كملفات تعويضية لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS)، ما يتيح تحصيل مبالغ ضخمة تحت غطاء “العمل الإنساني”.حيث
يقول أحد الممرضين السابقين شارك في قافلة بمنطقة الأطلس:

“كاينين جمعيات كيديرو العقود مع مصحات خاصة فالمدن، وكايجمعو الملفات ديال AMO باش يقدموها للـ CNSS. كل عملية كاتجيب تعويض محترم، والناس كيتحسب ليهم العلاج مجاني، ولكن الصندوق هو اللي كايخلص. ،
« أرباح بملايين الدراهم من عمليات مجانية »
و تشير تقديرات مهنية إلى أن تعويض الدولة عن عملية قسطرة القلب الواحدة قد يصل إلى ما بين 10 و20 ألف درهم، ما يجعلها من أكثر العمليات استهدافًا في هذا النوع من القوافل.
ويؤكد أطباء أن بعض المرضى يخضعون لعمليات وضع دعامات قلبية (Stent) دون مبرر طبي قوي، فقط لرفع عدد الملفات القابلة للتعويض، في حين يُجبر المريض لاحقًا على تناول أدوية مكلفة مدى الحياة.كما
ويحذر خبير في التأمين الصحي قائلاً:
“عندما تُضخ أموال التعويض في ملفات مشبوهة، يُستنزف الصندوق الاجتماعي تدريجيًا، مما يهدد استدامة النظام برمته.” و يعد
أحد أبرز الاختلالات هو غياب التتبع بعد العمليات الجراحية. فالكثير من المرضى يفقدون التواصل مع الأطباء بعد مغادرة القافلة، ما يؤدي إلى مضاعفات خطيرة أحيانًا.
كما أن غياب نظام رقمي موحّد لتتبع الملفات يُسهِّل التلاعب بالفواتير، فيما لا توجد تقييمات رسمية لأثر هذه القوافل على المال العام.
ويقول نقابي في قطاع الصحة:
“كل درهم كيتسرق من صندوق CNSS هو خصاص فالأدوية والمعدات، خاص الدولة تراقب هاد الجمعيات قبل ما يتحول المشكل إلى سرطان إداري.”والذي يشجع على ذلك أن هناك
ثغرات قانونية تستغلها الجمعيات،
القانون المغربي يمنع الجمع بين العمل الخيري والربحي في القطاع الصحي، لكن ضعف التنسيق بين وزارة الصحة والصناديق الاجتماعية يفتح الباب أمام تجاوزات عديدة.
من أبرزها:
غياب وضوح في طريقة تعويض العمليات الميدانية.
ضعف الرقابة على النفقات المصرّح بها.
انعدام آليات إلزامية لتقييم نتائج القوافل الطبية.و يبقى السؤال
من يدفع الثمن؟
الضحايا في هذه الحلقة المظلمة ثلاثة:
المواطن الذي يُستغل اسمه ورقمه التأميني دون استفادة حقيقية. ثم
صندوق AMO الذي يؤدي تعويضات بملايين الدراهم عن عمليات غير مطابقة للواقع.و
الأطباء النزهاء الذين تُلطخ سمعتهم بسبب قلة من المتربحين، لهذا يجب ان تكون هناك وقفة ، حيث
يؤكد خبراء أن الحل لا يكمن في وقف القوافل الطبية، بل في تنظيمها وضبطها قانونيًا ومالياً.و
من أبرز التوصيات:
فرض نظام تتبع رقمي موحّد لملفات المستفيدين.
مراقبة مالية دقيقة لمصاريف الجمعيات الطبية.
إلزام القوافل بتقارير رسمية مفصلة عن العمليات وعدد المستفيدين.
تفعيل المفتشيات الجهوية لوزارة الصحة.
تشجيع الجمعيات الجادة عبر شراكات شفافة مع الدولة.
هذه القوافل تظل مبادرة نبيلة في جوهرها، لكنها تحتاج اليوم إلى غربلة شاملة حتى لا تتحول من رمز للعطاء إلى باب خلفي للاغتناء غير المشروع.
فحين يُستغل اسم الفقير لنهب المال العام، يفقد العمل الإنساني روحه، وتفقد الدولة ثقة مواطنيها في مشروع الحماية الاجتماعية الذي يُفترض أن يكون عنوان العدالة والتكافل.