عندما تُستعمل الرياضة خارج ملعبها

أصبح التعليق الرياضي ممارسة إعلامية مؤثرة، تتقاطع فيها المهنة مع المسؤولية، لأن المعلق لا يخاطب مدرجًا بعينه، بل جمهورًا واسعًا ومتنوعًا في ثقافته وانتماءاته. من هنا، فإن أي انزلاق في الخطاب، مهما بدا عابرًا، يتحول إلى رسالة موجهة، لا إلى توصيف مهني محايد.
في الآونة الأخيرة، برز نمط من التعليق يتجاوز حدود التحليل الرياضي، ليغرق في تكرار أفكار جاهزة، تُفرض على المتلقي وكأنها حقائق ثابتة، بغضّ النظر عن الوقائع أو السياق. التركيز المفرط على بعض الجوانب الثانوية، مثل الحضور الجماهيري، لم يعد ملاحظة تقنية، بل صار محورًا ثابتًا في الخطاب، وكأن قيمة المباريات والبطولات تُقاس بالمدرجات لا بما يُقدَّم فوق أرضية الملعب.
منطق انتقائي لا قراءة موضوعية
المنطق الرياضي البسيط يقرّ بأن مباريات تجمع فرقًا أو منتخبات بلا امتداد جماهيري محلي واسع، من الطبيعي أن تُلعب أمام مدرجات غير مكتملة. هذا واقع عرفته مختلف البطولات القارية والدولية، ولم يكن يومًا معيارًا حاسمًا للحكم على نجاح تنظيم أو فشل آخر.
غير أن الإشكال لا يكمن في الملاحظة ذاتها، بل في الانتقائية التي تحكم توظيفها. فمحطات رياضية سابقة، في سياقات مختلفة، عرفت الظاهرة نفسها، ولم تُقابل بالضجيج ذاته، ما يطرح سؤال المعايير: لماذا يُستحضر هذا النقاش في حالات بعينها، ويُغضّ الطرف عنه في حالات أخرى؟و
عندما لا يخدم الواقع الخطاب المسبق، يتم الالتفاف عليه. أرقام الحضور، ومعطيات التنظيم، وجودة البنية التحتية، ومستوى المنافسة فوق الملعب، كلها عناصر تُقصى من النقاش حين لا تنسجم مع الرواية المراد ترسيخها. وحين تصمد الوقائع، لا تتغير النبرة، لأن الهدف لا يبدو تقييمًا رياضيًا موضوعيًا، بل الإصرار على موقف مُعدّ سلفًا.لهذا فإن
التعليق الرياضي يفقد جوهره حين تختفي المسافة بين الرأي الشخصي والوظيفة الإعلامية. عندها، يتحول الميكروفون من أداة شرح وتحليل إلى وسيلة توجيه وشحن، وهو ما يتنافى مع أخلاقيات المهنة وروح الرياضة نفسها.
فالرياضة لا تحتاج إلى من يصدر أحكامًا خارج السياق، ولا إلى من يزرع الشك أو يؤجج الانقسام، بل إلى خطاب يشرح، يوازن، ويحلل، بعيدًا عن أي إسقاطات غير رياضية، أياً كان مصدرها أو دافعها.
في النهاية، يبقى المبدأ واضحًا:
إما معيار واحد في التقييم،
أو تعليق يخرج عن جوهر الرياضة ويفقد شرعيته المهنية.