
عاد الجدل حول قانون الإثراء غير المشروع إلى الواجهة، في ظل مواقف رسمية تحذّر من المساس بقرينة البراءة، مقابل تخوف متزايد لدى الرأي العام من أن يتحول هذا التخوف نفسه إلى ذريعة لتمييع المحاسبة السياسية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمسؤولين ومنتخبين راكموا ثروات مرتبطة بتدبير الشأن العام.
وفي هذا السياق، جدد عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، انتقاده للطريقة التي يُدار بها النقاش العمومي حول الموضوع، معتبراً أن بعض التصورات المتداولة تتعامل مع كل شخص ميسور على أنه موضع شبهة، إلى أن يثبت العكس، وهو ما يراه مسًّا صريحًا بمبدأ قرينة البراءة.
وخلال مداخلته بمجلس المستشارين، شدد وهبي على أن تحقيق الثروة بوسائل مشروعة حق مكفول للمواطن، وأن الدولة لا يمكنها أن تنطلق من منطق الاشتباه العام، أو أن تطالب الأفراد بتبرير نمط عيشهم وممتلكاتهم في غياب أي دليل على خرق القانون.
غير أن متابعين للشأن العام يرون أن جوهر الإشكال لا يتعلق بالمواطن الميسور خارج السياسة، ولا برجال الأعمال الذين راكموا ثرواتهم في إطار واضح وشفاف، بل يرتبط أساسًا بـمسؤولين عموميين ومنتخبين استفادوا من مواقع القرار، أو من القرب من مراكز النفوذ، وراكموا ثروات تطرح أكثر من علامة استفهام.
ويؤكد هؤلاء أن التخوف الحقيقي لا يكمن في حماية قرينة البراءة، بل في الخوف من استغلال هذا المبدأ لتحصين فئة محددة من أي مساءلة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأموال عمومية، وصفقات، وتدبير ميزانيات، ورخص، وامتيازات، يفترض أن تخضع لرقابة صارمة.
وزير العدل أوضح، من جهته، أن الدولة تتوفر على آليات قانونية لمراقبة من يتحملون مسؤوليات عمومية، عبر نظام التصريح بالممتلكات، حيث يتم التدقيق في المعطيات المصرح بها، واستدعاء المعنيين بالأمر في حال تسجيل فروقات أو مؤشرات غير مبررة، مشددًا على أن المساءلة تصبح واجبة متى ثبت الخرق.
لكن هذا التوضيح لم ينهِ الجدل، إذ يرى منتقدو تأجيل أو إفراغ قانون الإثراء غير المشروع من مضمونه أن منظومة التصريح بالممتلكات، بصيغتها الحالية، لم تثبت فعاليتها الكافية، ولم تُفضِ في حالات كثيرة إلى محاسبة واضحة، ما يجعل المطالبة بنص قانوني أكثر صرامة أمرًا مشروعًا، لا يستهدف الأفراد، بل يحمي المال العام.
وفي المقابل، يحذر وهبي من أن تعميم منطق الاشتباه، أو إخضاع فئات معينة لرقابة انتقائية، من شأنه تقويض الثقة في المؤسسات، مبرزًا أن المواطن الذي لا يشغل منصبًا عموميًا ولا يخرق القانون، لا ينبغي أن يعيش تحت هاجس الاستدعاء أو التهديد.
وبين هذين الموقفين، يظل السؤال المطروح بقوة:
هل التخوف الحقيقي هو حماية قرينة البراءة، أم الخشية من أن يفتح قانون الإثراء غير المشروع الباب أمام محاسبة سياسية واسعة؟
سؤال يعكس عمق الأزمة بين خطاب محاربة الفساد، ومتطلبات تنزيلها الفعلي على أرض الواقع.
