
أعاد مشهد النجاح التنظيمي والرياضي الذي شهده المغرب في الآونة الأخيرة طرح سؤال جوهري يتجاوز كرة القدم وحدود الملاعب: لماذا ينجح منطق التحدي والانضباط حين تتوفر الإرادة، ويتعثر حين يتعلق الأمر بقطاعات حيوية كالصحة، والتشغيل، والتعليم، والتقاعد، وربط المسؤولية بالمحاسبة؟
صحيح أن كرة القدم ليست أولوية اجتماعية، وأن الفقر والهشاشة والبطالة لا تُحل بثلاثية في مباراة. غير أن التجربة أظهرت حقيقة لا تقل أهمية: النجاح ليس استثناءً مغربياً، والفشل ليس قدراً محتوماً. فالدولة التي تستطيع إنجاز بنى تحتية معقدة، وتنظيم تظاهرات كبرى، وضبط عمل آلاف المتدخلين بدقة زمنية ومؤسساتية، تملك – من حيث المبدأ – القدرة نفسها على تحقيق نتائج مماثلة في قطاعات أخرى، متى توفرت شروط القرار الصارم، والإرادة السياسية، والانضباط الإداري.
لقد كان الملعب، في تلك اللحظة، مرآة صامتة لكنها فاضحة. مرآة تقول إن الفرق بين التعثر والنجاح لا يكمن في الإمكانات وحدها، بل في طريقة التدبير: وضوح الأهداف، توزيع المسؤوليات، ربط الإنجاز بالمحاسبة، وإعطاء الفرصة على أساس الكفاءة لا القرب أو الولاء.
هذا المنطق، الذي بدا بديهياً في المجال الرياضي، يغيب أو يضعف في مجالات أخرى، حيث يتم في كثير من الأحيان التعايش مع الاختلال بدل مواجهته، واعتبار الفشل وضعاً عادياً، لا يستدعي المساءلة ولا التصحيح. وهنا يستحضر كثير من المتابعين تلك الصورة النقدية التي رسمها عبد الكريم الجويطي في رواية “المغاربة”، حيث يتحول المجتمع إلى كيان يتقن فن التحمل أكثر من إتقانه لفن التغيير، ويعتاد الخسارة بدل أن يثور عليها.
غير أن ما وقع أعاد فتح نافذة أمل: المغاربة قادرون على كسر الهزيمة النفسية متى شعروا بأن الجهد له معنى، وأن العمل يُكافأ، وأن القيادة صادقة. لقد كان ذلك انتصاراً على الاستسلام قبل أن يكون انتصاراً في النتيجة، ورسالة ضمنية مفادها أن النجاح الجماعي يولد حين يشعر كل فرد بأنه جزء من مشروع أكبر، لا مجرد رقم أو أداة.
في هذا السياق، تبرز فكرة القيادة بوصفها جوهر التحول. فالقيادة ليست إصدار أوامر من أعلى، بل بناء الثقة، وتحمل المسؤولية، والقدرة على الاعتراف بالخطأ قبل طلب التضحية من الآخرين. وهو درس يتجاوز الرياضة إلى كل مستويات التدبير العمومي، حيث تحتاج المؤسسات إلى مسؤولين لا يكتفون بالخطاب، بل يحولون الوعود إلى نتائج قابلة للقياس.
من هنا، يصبح السؤال مشروعاً: لماذا لا يُستثمر هذا النموذج في إصلاح المستشفيات، ومحاربة البطالة، وإصلاح منظومة التقاعد، والنهوض بالتعليم، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، حمايةً للأمانة التي وُضعت في أعناق المسؤولين باسم الوطن وتحت ثقة المؤسسة الملكية؟
إن تعميم منطق النجاح لا يعني استنساخ تجربة رياضية، بل نقل فلسفة العمل: احترام المواطن كما يُحترم المشجع، اعتبار النقد أداة إصلاح لا خيانة، والتعامل مع الخطأ باعتباره جسراً للتحسين لا ذريعة للإنكار.
في النهاية، ما عبّر عنه ذلك الإنجاز ليس فرحاً عابراً، بل إمكانية قائمة. إمكانية أن يتحول المغرب من بلد يتكيف مع الأعطاب إلى بلد يواجهها، ومن مجتمع يُتقن النجاة اليومية إلى دولة تطمح إلى الانتصار الكبير. فحين تتوفر الثقة، ويُحترم العقل، وتُحاسَب المسؤوليات، يصبح النجاح خياراً، لا استثناءً.

