المحكمة الدستورية تنتصر للتوازن المهني وتسقط مواد أساسية من قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة

المحكمة الدستورية تنتصر للتوازن المهني وتسقط مواد أساسية من قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة


حسمت المحكمة الدستورية، اليوم الخميس، في الطعن الذي تقدم به 96 عضوًا بمجلس النواب بشأن دستورية القانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، وقضت بعدم دستورية عدد من مواده، مقابل تأكيد مطابقة مواد أخرى للدستور، مع ترتيب آثار قانونية مباشرة على النص التشريعي برمّته.
ويأتي هذا القرار في سياق رقابة دستورية قبلية، انسجامًا مع مقتضيات الفصل 132 من الدستور، الذي يخول لثلث أعضاء مجلس النواب إحالة القوانين التنظيمية والعادية على المحكمة الدستورية قبل إصدار الأمر بتنفيذها.
وانطلق الملف المعروض على المحكمة الدستورية برسالة إحالة سُجّلت بالأمانة العامة للمحكمة بتاريخ 7 يناير 2026، طالب من خلالها 96 نائبًا برلمانيًا بالبت في مدى مطابقة تسع مواد من القانون المذكور للدستور. وأكدت المحكمة أن الإحالة استوفت جميع الشروط الشكلية، سواء من حيث النصاب الدستوري أو احترام الآجال القانونية.
وعلى مستوى المسطرة التشريعية، شددت المحكمة في قرارها على أن مشروع القانون مر بجميع المراحل الدستورية المنصوص عليها في الفصلين 83 و84 من الدستور. فقد تم التداول فيه داخل مجلس الحكومة بتاريخ 3 يوليوز 2025، وأُودع بمجلس النواب في 7 يوليوز، قبل أن يصادق عليه هذا الأخير، بعد إدخال تعديلات، في 22 يوليوز، ثم أُحيل على مجلس المستشارين الذي صادق عليه دون تعديل بتاريخ 24 دجنبر 2025.
وركّزت الإحالة البرلمانية على الطعن في المواد 5 و9 و10 و13 و23 و44 و45 و55 و93، بدعوى مخالفتها لمجموعة من المقتضيات الدستورية، لا سيما الفصول 6 و28 و118 و120، المرتبطة بمبادئ المساواة، والتنظيم الذاتي لقطاع الصحافة، وضمانات المحاكمة العادلة، والفصل بين السلط.
وفي هذا الإطار، اعتبرت المحكمة أن البند (ب) من المادة الخامسة مخالف للدستور، بعدما تبيّن لها أن التركيبة العددية للمجلس الوطني للصحافة تُخلّ بمبدأ التوازن بين فئتي الصحافيين المهنيين والناشرين. إذ منح القانون تسعة مقاعد لفئة الناشرين مقابل سبعة فقط للصحافيين المنتخبين، دون تعليل موضوعي يبرر هذا التفاضل، وهو ما يتعارض مع الأسس الديمقراطية لتنظيم قطاع الصحافة كما يكرسها الفصل 28 من الدستور.
وبالاستناد إلى المنطق الدستوري نفسه، صرّحت المحكمة بعدم دستورية الفقرة الأخيرة من المادة الرابعة، التي أسندت حصريًا لعضوين من “الناشرين الحكماء” مهمة الإشراف على إعداد التقرير السنوي للمجلس، معتبرة أن هذا الترتيب يُقصي ممثلي الصحافيين ويخلّ بمبدأ التوازن داخل هيئة التنظيم الذاتي.
كما قضت المحكمة بعدم دستورية المادة 49، التي تخوّل للمنظمة المهنية الحاصلة على أكبر عدد من الحصص التمثيلية الاستحواذ على جميع المقاعد المخصصة لفئة الناشرين، معتبرة أن هذا المقتضى يناقض مبدأ التعددية المنصوص عليه في الفصل الثامن من الدستور، ويفضي إلى احتكار التمثيل من طرف تنظيم واحد، بما يتعارض مع القواعد الديمقراطية المؤطرة للعمل المهني.
ضمان الحياد في التأديب والاستئناف
ومن بين أبرز ما ورد في القرار، التصريح بعدم دستورية المادة 93، التي تُدرج رئيس لجنة أخلاقيات المهنة والقضايا التأديبية ضمن تشكيلة لجنة الاستئناف التأديبية. واعتبرت المحكمة أن هذا الجمع يمسّ بمبدأ الحياد والاستقلال، لكون العضو نفسه يشارك في اتخاذ القرار ابتدائيًا ثم يساهم في البت في الطعن المرفوع ضده، وهو ما يتنافى مع ضمانات المحاكمة العادلة المستخلصة من الفصول 23 و118 و120 من الدستور.
وأثارت المحكمة تلقائيًا كذلك الفقرة الأولى من المادة 57، التي تشترط ألا يكون رئيس المجلس ونائبه من الجنس نفسه، معتبرة أن هذا الالتزام قد يتعذر تطبيقه عمليًا في غياب مقتضيات قانونية تضمن تمثيلية متوازنة للجنسين داخل كل فئة مهنية، مما يخلّ بمبدأ الانسجام والتناسق بين مواد القانون الواحد.
في المقابل، أكدت المحكمة الدستورية مطابقة عدد من المواد المطعون فيها لأحكام الدستور، من بينها المواد 9 و10 و13 و23 و44 و45 و55. واعتبرت، على سبيل المثال، أن تحديد الجرائم المفضية إلى العزل من عضوية المجلس يندرج ضمن السلطة التقديرية للمشرّع، ولا يمسّ بمبدأ المساواة أو الشرعية، ما دام قائمًا على معايير موضوعية مرتبطة بالنزاهة والثقة العامة.
كما رأت أن مقتضيات تمكين المعنيين من الاطلاع على ملفات العزل وضمان حق الدفاع، كما وردت في المواد ذات الصلة، لا تمسّ بضمانات المحاكمة العادلة، وأن إبداء المجلس لرأيه في مشاريع القوانين المتعلقة بالقطاع لا يشكل مساسًا باختصاص البرلمان أو بمبدأ فصل السلط.
وبناءً على ما سبق، قضت المحكمة الدستورية بعدم دستورية المادة 4 (الفقرة الأخيرة) والمادة 5 (البند ب) والمادة 49 والمادة 57 (الفقرة الأولى) والمادة 93، مقابل التصريح بعدم وجود ما يخالف الدستور في باقي المواد المفحوصة. كما أمرت بتبليغ قرارها إلى رئيس الحكومة ورئيسي مجلسي البرلمان، وبنشره في الجريدة الرسمية، طبقًا للقانون.