
أثار استقبال سلطات زيمبابوي لمبعوث جبهة البوليساريو الانفصالية وتجديد دعمها للأطروحة الانفصالية موجة استياء واسعة، خاصة أن هذا الموقف يأتي في وقت عزز فيه المغرب حضوره التنموي والتضامني داخل القارة الإفريقية، بما فيها الدول التي اختارت الاصطفاف إلى جانب خصوم وحدته الترابية.
ويرى متابعون للشأن الإفريقي أن الموقف الزيمبابوي لا يمكن فصله عن استمرار الجزائر في توظيف إمكاناتها المالية والدبلوماسية لاستمالة بعض الأنظمة الإفريقية التي تواجه صعوبات اقتصادية ومديونية مرتفعة، وذلك بهدف الإبقاء على قضية انفصالية فقدت الكثير من زخمها السياسي والدبلوماسي على المستوى الدولي.
وفي المقابل، اختار المغرب منذ عودته إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 نهجاً مختلفاً يقوم على التنمية والشراكة المتكافئة والتعاون جنوب-جنوب. فقد أطلق المملكة عشرات المبادرات لفائدة الدول الإفريقية في مجالات الفلاحة والصحة والتكوين المهني والاستثمار والطاقة والبنية التحتية، فضلاً عن تقديم آلاف المنح الدراسية للطلبة الأفارقة، وتكوين الأطر والكوادر في مختلف التخصصات.
كما أرسى المغرب شراكات اقتصادية مع العديد من الدول الإفريقية عبر استثمارات في القطاع البنكي والاتصالات والأسمدة والفلاحة والتأمينات، وأسهم في نقل الخبرات وتعزيز الأمن الغذائي، لاسيما من خلال توفير الأسمدة الملائمة للتربة الإفريقية عبر المجمع الشريف للفوسفاط، فضلاً عن مبادرات التضامن الإنساني والطبي التي برزت بشكل خاص خلال جائحة كورونا.
ومن أبرز المشاريع الاستراتيجية التي يقودها المغرب لفائدة القارة الإفريقية مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، والمبادرة الملكية لتسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي، وهي مشاريع ذات بعد قاري تهدف إلى تحقيق الاندماج الاقتصادي وتعزيز التنمية المشتركة، بعيداً عن الحسابات الإيديولوجية الضيقة.
ورغم أن زيمبابوي اختارت مجدداً الاصطفاف إلى جانب الأطروحة الانفصالية، فإن الواقع داخل القارة يؤكد أن المغرب يحظى بدعم متزايد من دول إفريقية عديدة بفضل دبلوماسيته التنموية ومشاريعه الملموسة. فقد باتت أغلبية الدول الإفريقية تنظر إلى قضية الصحراء المغربية من منظور احترام الوحدة الترابية وسيادة الدول، وهو ما تجسد في فتح العديد من القنصليات بالأقاليم الجنوبية للمملكة.
إن استقبال مبعوث البوليساريو في هراري لا يغير من المعطيات السياسية والدبلوماسية الراهنة، بقدر ما يسلط الضوء على استمرار بعض الأنظمة في تبني مواقف مرتبطة بحسابات ظرفية ومصالح آنية. أما المغرب، فقد اختار أن يكسب رهان إفريقيا عبر الاستثمار والتنمية والتضامن والشراكات الاستراتيجية، وهي أوراق أثبتت فعاليتها وجعلت المملكة شريكاً موثوقاً وفاعلاً أساسياً في مستقبل القارة السمراء.
