
في مسيرة الأمم وبناء الحضارات، ثمة خطوط فاصلة لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تُشكل العمود الفقري لبقاء المجتمعات وتماسكها؛ إنها « موازين القيم ». عندما تميل هذه الموازين، تبدأ التناقضات الصارخة في الظهور على السطح، وتصبح الظواهر العابرة عنواناً للمرحلة، بينما تتراجع الثوابت الأصيلة إلى المقاعد الخلفية.
اليوم، نعيش في مناخ عالمي ومحلي متسارع، باتت فيه قيم الترفيه العابر والاستهلاك الفكري تحتل الصدارة، مدعومة بميزانيات ضخمة ومنصات إعلامية عابرة للقارات، في مقابل انحسار ملموس للاستثمار في الإنسان، وأخلاقه، ومستقبله الفكري المعرفي.
إن المفارقة الأكثر إثارة للقلق في واقعنا المعاصر تكمن في حجم الإنفاق السخي الذي تحظى به مهرجانات الصيف الصاخبة وسهرات الهواء الطلق، والتي تُضخ فيها أموال طائلة من شركات وهيئات داعمة. وفي المقابل، تعاني محاضن الفكر، ومشاريع دعم الطاقات الشبابية العلمية، ومؤسسات التربية والتوجيه من شحّ الموارد وضيق ذات اليد.
هذا التباين لا يمثل مجرد سوء تدبير مالي، بل هو انعكاف خطير في ترتيب الأولويات المجتمعية. حين يصبح تمويل منصات « اللهو والنمط الاستهلاكي الغربي » أسهل بكثير من تمويل مراكز البحث العلمي أو برامج حماية الهوية الوطنية، فإننا نكون أمام خلل بنيوي يهدد مستقبل الأجيال القادمة.و
لم تعد المسألة مجرد « ألوان فنية » يستمتع بها الجمهور، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى منصات لتمرير أنماط سلوكية وأفكار هدامة تتصادم مباشرة مع الخصوصية الثقافية والدينية للمجتمعات المسلمة. إن مظاهر العري، واللباس الفاضح، وإشاعة أجواء الاختلاط العشوائي والمجون وسط الشباب، ليست نتاجاً عفوياً للفن، بل هي انعكاس لعولمة ثقافية تهدف إلى تمييع الفوارق الأخلاقية وصياغة جيل جديد منقطع الجذور عن أصالته وثوابته الإسلامية.و
حين تغيب « المناعة الثقافية » لدى الناشئة، يصبح الشاب مستهلكاً مستسلماً لكل ما يُلقى إليه من قشور الثقافة الغربية، متوهماً أن المعاصرة تعني التخلي عن الحياء والمروءة، ومتناسياً أن النهضة الحقيقية للدول الغربية نفسها قامت على صرامة العلم والإنتاج، لا على الاستعراض والابتذال.
فإن الشريعة الإسلامية بمقاصدها الكلية لترتيب الضروريات (حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال) تقدم الميزان الأدق لإدارة المجتمعات. والمنظور الفقهي في المذاهب الأربعة يجمع على أن توجيه المقدرات المالية لبناء بيئات تشجع على الفساد الأخلاقي هو تبديد للأمانة وسير في اتجاه هدم المناعة المجتمعية. و
المسؤولية اليوم لا تقع على جهة دون أخرى؛ فالشركات التي تمول هذه الفعاليات -سواء بدافع الشراكة أو تحت مسميات المسؤولية الاجتماعية- مطالبة بمراجعة أخلاقية لمدى جدوى هذا الإنفاق على تماسك المجتمع. كما أن الأسرة والمؤسسات التعليمية والمدنية تتحمل العبء الأكبر في تحصين العقول الشابة، وفتح قنوات بديلة تستوعب طاقاتهم بإنتاجية حقيقية (كالرياضة المنضبطة، والفنون الراقية التي تبني ولا تهدم، والابتكار العلمي). فيا معالي وزير الثقافة
لا يمكن لأمة أن تبني مستقبلاً مستداماً بأقدام راقصة وعقول مغيبة عن تحديات عصرها. إن استعادة « الموازين المختلة » تتطلب شجاعة مجتمعية في نقد الذات، وإعادة الاعتبار لقيم الحياء، والجدية، والمسؤولية.
إن الأجيال القادمة تحتاج إلى تعليم رصين، وأخلاق متماسكة، وفرص عمل حقيقية، وبيئة نظيفة تحترم عقولهم وتحمي دينهم وهويتهم. وحينما تعود موازيننا لتقديم « النافع المستدام » على « اللامع الزائل »، سنضمن حينها فقط أننا نسير بأبنائنا نحو بر الأمان، وليس إلى المزيد من صخب المنصات المؤقتة.
