العرائش: انتفاضة الذاكرة

خرجت ساكنة العرائش من مختلف الأحياء والأعمار، رجالًا ونساءً، إلى الشارع لتقول كلمتها: « الشرفة الأطلسية ليست حجراً.. إنها ذاكرة وهوية »

احتجاجات حاشدة وغير مسبوقة عرفتها المدينة الساحلية، بعد ما وصفه المواطنون بـ« الجريمة الجمالية والمعمارية » التي طالت إحدى أبرز معالمها، الشرفة الأطلسية، في ظل أشغال وصفت بـ« العشوائية » و »غير المدروسة » هدّدت بتشويه هذا الفضاء الرمزي المطل على المحيط.

لم يكن الأمر يتعلق فقط بقطع حجر أو إسمنت، بل بـإهانة للوجدان الجمعي لمدينة تُعرف بعلاقتها الحميمية مع البحر، ومع كل زاوية تحمل ذاكرة. فقد تحولت الشرفة عبر العقود إلى مرآة المدينة، ترمز إلى الأصالة والانفتاح، إلى الشعر والنزهات، إلى الهدوء الذي يسكن المدينة ويمنحها نكهة مختلفة.

« أعيدوا لنا شرفتنا! » كان الشعار الأبرز في الوقفة، وردّده الجميع بصوت واحد، تعبيرًا عن غضب خفي تراكم طويلاً، وانفجر حين امتدت الأيادي دون استشارة أو احترام لتاريخ المكان.

ما ميّز هذا التحرك الشعبي هو حضاريته الراقية ووضوح رسالته. لا رايات حزبية، لا مزايدات سياسوية. فقط مواطنون، نزلوا إلى الشارع بألم، ولكن أيضًا بإصرار، للدفاع عن معلم عمره أطول من كل المسؤولين المتعاقبين.

قال أحد المحتجين:

« ليست مجرد شرفة… إنها خط البصر الأول لطفولتنا، لنزهاتنا، لصورنا العائلية، لهدوئنا الداخلي. من سمح لكم بمحو ذاكرتنا؟ »

في العمق، لم يكن احتجاج العرائشيين فقط من أجل الشرفة كجدار أو سور يطل على الأطلسي، بل من أجل حقهم في القرار، في الجمال، في أن تُصان مدينتهم كما هي. لقد أرادوا أن يُذكّروا الجميع أن أي مشروع تنموي لا يحترم الذاكرة، ليس تنمية بل تدميرًا ناعمًا.

في ظل هذا الغليان الهادئ، تتجه الأنظار إلى المسؤولين الجماعيين والجهات المشرفة على المشروع. هل تم احترام المساطر القانونية؟ هل أُخذت آراء أهل الاختصاص؟ هل تم إشراك الساكنة؟ أسئلة كثيرة تُطرح اليوم، وإجاباتها ستحدد ليس فقط مصير الشرفة، بل مستقبل الثقة بين المواطن ومؤسساته.

مرة أخرى، تثبت العرائش أنها ليست فقط مدينة بحر وهدوء، بل مدينة وعي ومقاومة حضارية. خرج أهلها ليقولوا: لسنا ضد الترميم أو التطوير، نحن فقط نطالب بالاحترام: احترام المكان، والناس، والذاكرة.

في العرائش، قالت الشرفة كلمتها، عبر ساكنة لا تقبل بالتشويه أو الطمس.
ويبقى السؤال: هل سيسمع المسؤولون هذا النداء، أم أن الصمت الرسمي سيُجهز على آخر ما تبقّى من « مرآة العرائش »؟